محمد أبو زهرة
1550
زهرة التفاسير
ولا مناص لرد اعتباره ، وقوله تعالى : فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ يتضمن هذه المعاني ، فقد أوقعهم سبحانه في بلية لا يستطيعون التخلص منها ، وهم في عار معنوي لأنهم نالوا سخط اللّه تعالى ، وذلك بظلمهم ، وقد أكدوا استحقاق المجرمين ، وعدم خلاصهم منه بقولهم وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي أن المذنبين ظالمون فهم معاقبون بحق ولا ناصر لهم ، و ( من ) دالة على استغراق النفي ، أي لا ناصر لهم أيا كان ، وفي ذلك إشارة إلى انفراد اللّه تعالى بالسلطان . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا إذا كان ذكر اللّه يربى القلب ، والتفكر يهديه ، وهما معا يرفعان المؤمن إلى مرتبة الخوف من اللّه ، فإن التذكر للّه والتفكر في خلقه يفتح أيضا القلب للتصديق والإذعان للحقائق الدينية ، ولذلك كان من ثمرات التفكر إجابة نداء الحق ، والإيمان باللّه ورسوله والغيب ، ولذلك كان شأن أولئك المتذكرين المتفكرين في خلقه أنهم بمجرد أن سمعوا نداء الإيمان أجابوا . . وهنا بحوث لفظية : أولها : أن أولئك سمعوا نداء المنادى ، ولكن أسند السمع إلى الشخص لكمال الانتباه إليه ، ولأن شخص المنادى له أثر في حسن الاستماع لأنه رسول من عند اللّه ، فما اقتنعوا بالحق لذات الحق فقط ، بل لأن الداعي صادق أمين . ثانيها : أنه أطلق المنادى ، ثم ذكر بعد ذلك أنه ينادى بالإيمان وذلك لما فيه من إبهام بعده بيان ، فيكون البيان أكثر ثباتا ، ولأن الإطلاق أعطى المنادى تفخيما وتكبيرا ، ولأن النداء إلى الحق اعتبر كالعنوان له . وثالثها : أن الإيمان ذكر مطلقا على أنه إيمان بالرب ، وذلك للدلالة على الإذعان المطلق للّه وللحق والهدى . . اللهم هبنا إيمانا بالحق وإذعانا له ، وقد أجابوا نداء الإيمان فقالوا ( فآمنا ) . وسماع النداء لا يلزم أن يكون من شخص المنادى ، بل يعم السماع من شخصه وتتبع رسالته من بعده .